الغزالي
104
إحياء علوم الدين
الباب الأوّل في ذكر الموت والترغيب في الإكثار من ذكره اعلم أن المنهمك في الدنيا ، المكب على غرورها ، المحب لشهواتها ، يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت فلا يذكره ، وإذا ذكَّر به كرهه ونفر منه ، أولئك هم الذين قال الله فيهم * ( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْه ُ فَإِنَّه ُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * « 1 » ثم الناس إما منهمك ، وأما تائب مبتدئ ، أو عارف منته أما المنهمك : فلا يذكر الموت ، وإن ذكره فيذكره للتأسف على دنياه ، ويشتغل بمذمّته ، وهذا يزيده ذكر الموت من الله بعدا وأما التائب : فإنه يكثر من ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية ، فيفي بتمام التوبة ، وربما يكره الموت خيفة من أن يختطفه قبل تمام التوبة ، وقبل إصلاح الزاد ، وهو معذور في كراهة الموت . ولا يدخل هذا تحت قوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « من كره لقاء الله كره الله لقاءه » فإن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله ، وإنما يخاف فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره . وهو كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه . فلا يعدّ كارها للقائه . وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له ، لا شغل له سواه ، وإلا التحق بالمنهمك في الدنيا وأما العارف : فإنه يذكر الموت دائما لأنه موعد للقائه لحبيبه ، والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب . وهذا في غالب الأمر يستبطئ مجيء الموت ، ويحب مجيئه ليتخلص من دار العاصين ، وينتقل إلى جوار رب العالمين ، كما روي عن حذيفة أنه لما حضرته الوفاة قال : حبيب جاء على فاقة ، لا أفلح من ندم . اللهم إن كنت تعلم أن الفقر أحب إليّ من الغنى ، والسقم أحب إليّ من الصحة ، والموت أحب إليّ من العيش ، فسهل علي الموت حتى ألقاك . فإذا التائب معذور في كراهة الموت ، وهذا معذور في حب الموت وتمنيه
--> « 1 » الجمعة : 8